د. الصادق خلف الله
لماذا ظل السودان، رغم ما يملكه من عقول وخبرات، يعاني الفشل في الإدارة والقيادة؟ ولماذا انتهى كثير من أبنائه النابغين إلى الهجرة أو الإقصاء، بينما تصدّر المشهد من هم أقل كفاءة؟ في تقديري، لم تكن المشكلة في غياب المؤهلين، بل في أن الكفاءة لم تكن دائماً طريقاً إلى المسؤولية، وربما أصبحت أحياناً سبباً للابتعاد عنها.
تبدأ هذه الظاهرة من الحي والقرية والنادي والجالية، ثم تمتد إلى المحليات والوزارات والحكومات. فكثيراً ما يتقدم صاحب الصوت العالي، القادر على الخصومة والتجرؤ على الآخرين، على الشخص الهادئ صاحب المعرفة والخبرة. ننتقد الأول في مجالسنا، ثم نضعه في مقدمة المناسبات ونرشحه لرئاسة اللجان والجمعيات. هكذا نصنع المشكلة بأيدينا، ثم نسأل لماذا تفشل مؤسساتنا. وحين يصبح الاقتراب من أصحاب النفوذ أيسر من إتقان العمل، يتعلم الشباب درساً خطيراً: الطريق إلى التقدم يمر عبر العلاقات، لا عبر الاجتهاد.
تحولت القيادة في مواقع كثيرة من مسؤولية إلى وجاهة، ومن تكليف إلى تشريف. ولم يعد السؤال دائماً: ماذا يعرف المرشح؟ وماذا أنجز؟ بل: من يعرف؟ ومن يؤيده؟ وإلى أي حزب أو جهة أو قبيلة ينتمي؟ وحتى خارج السودان، تحمل بعض جالياتنا الثقافة نفسها، فتدور معارك على رئاسة جمعية صغيرة، بينما تتراجع الكفاءة والقدرة على الإدارة إلى آخر القائمة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من تاريخ الدولة بعد الاستقلال. تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، وتبدلت الوجوه، لكن مشكلة الاختيار بقيت. كثيراً ما دخلت الولاءات الحزبية والجهوية والعلاقات الشخصية في التعيينات. وهذا لا يعني أن كل من تولى منصباً كان غير مؤهل؛ فقد عرف السودان رجالاً ونساءً أصحاب علم ونزاهة. لكن السؤال هو: هل كان النظام يحمي الكفاءة، ويمنح المتخصص سلطة القرار، ويحاسب على الإنجاز؟ أم كان يكافئ الولاء ويقصي من يختلف معه؟
نسمع كثيراً: «يا حليل السودان زمان». ومن زاوية الانضباط الإداري تحديداً، أقول: يا حليل السودان أيام الإنجليز. لا أقصد تمجيد الاستعمار أو تبرئته؛ فقد خدم مصالحه أولاً. لكن السودان عرف آنذاك جهازاً إدارياً أكثر انتظاماً، وخدمة مدنية أوضح في الواجبات والمسؤوليات. ولا يزال أهلنا يتذكرون انتظام السكة الحديد والبريد، وهيبة الوظيفة العامة واحترام النظام.
كان الواجب بعد الاستقلال أن نطور ما يصلح من ذلك الإرث ونبني دولة وطنية أكثر عدلاً وكفاءة. لكن السياسة تسللت إلى الخدمة المدنية، وصارت كل سلطة تأتي برجالها وتبعد رجال سابقتها. تراجعت المؤسسة أمام الفرد، والمتخصص أمام صاحب العلاقة، وتحول المنصب أحياناً إلى مكافأة سياسية أو اجتماعية بدلاً من أن يكون مسؤولية مهنية.
تظهر آثار ذلك في التعليم والزراعة والصحة والاقتصاد والإدارة المحلية. ولو سألنا، مثلاً، كم ممن تولوا التعليم اختيروا لأن لديهم مشروعاً واضحاً لإصلاحه، وكم اختيروا بالمحاصصة أو الولاء، لفهمنا بعض أسباب التراجع. وما ينطبق على التعليم ينطبق على قطاعات أخرى دفعت ثمن الاختيار الخاطئ. وعندما يتغير المسؤول تبعاً لتغير السلطة، تضيع الخطط قبل أن تكتمل، وتبدأ المؤسسات من الصفر مرة بعد مرة.
وهنا يبرز سؤال مؤلم: إذا كان السودانيون ينجحون أطباء ومهندسين وأساتذة وإداريين في مؤسسات خارج بلادهم، فلماذا عجزنا عن بناء مؤسسات تنجح بهم في وطنهم؟ قد يبالغ البعض في الحديث عن إسهام السودانيين في نهضة الآخرين، لكن نجاح كثير منهم خارج البلاد يستحق التأمل. فحين يعمل الشخص في مؤسسة تحكمها القوانين، وتحدد المسؤوليات، ويكافأ فيها المجتهد ويحاسب المقصر، يجد فرصة للنجاح. أما حين تختلط السياسة بالمهنة، والولاء بالكفاءة، والعلاقات بالترقي، فإن الموهبة وحدها لا تكفي.
والمفارقة أننا نفتخر بالسوداني الذي يبلغ مكانة مرموقة في الخارج، فإذا عاد ليعمل بيننا سألنا: لماذا هو؟ ومن جاء به؟ ومن يقف خلفه؟ وكأن نجاحه مقبول ما دام بعيداً، لكنه يصبح مدعاة للشك حين يقترب من مواقع القرار. هكذا خسر السودان عبر العقود كفاءات هاجرت أو أُبعدت أو عاشت بلا تقدير يليق بما قدمته. وليس المطلوب أن يعود كل مغترب إلى منصب، بل أن تكون الفرصة مفتوحة أمام المؤهلين داخل البلاد وخارجها، وأن يكون معيار الاختيار معروفاً للجميع.
لا يكفي إذن أن نغيّر أسماء الحكام إذا بقي معيار اختيارهم كما هو. ما دمنا نقدم الصوت العالي والولاء والحزب والقبيلة على العلم والخبرة والنزاهة والإنجاز، فسنعيد إنتاج الإخفاق نفسه. ويجب أن يبدأ التغيير من جمعياتنا وأحيائنا ومؤسساتنا الصغيرة، لا من قمة الدولة وحدها. علينا أن نسأل قبل كل انتخاب أو تعيين: هل هذا الشخص هو الأكفأ؟ ماذا أنجز؟ وهل يستطيع أن يخدم الناس ويقبل المحاسبة؟ ثم نعلن معايير الاختيار، ونحدد أهداف التكليف، ونراجع الأداء بوضوح.
الدول لا تُبنى بالشعارات ولا بالوجاهة، بل بمؤسسات تجعل المنصب مسؤولية والكفاءة شرطاً. السودان لم يخسر لأنه بلا عقول، بل لأنه كثيراً ما أبعد أفضلها عن القرار، ثم ترك القيادة لمن لم يكن أهلاً لها. وإذا أردنا له مستقبلاً مختلفاً، فعلينا أن نغيّر طريقة اختيار من يقوده، وأن نتيح لأصحاب الكفاءة أن يعملوا في وطنهم كما نجحوا خارجه.
التعليقات
شارك برأيك باحترام وموضوعية.
لا توجد تعليقات معروضة على هذا الخبر حتى الآن.
التعليقات
شارك برأيك باحترام وموضوعية.