✍️ مقال رأي
الدبة... حيث كان للإنسانية وجهٌ سوداني
ضفاف
في اليوم العالمي للعمل الإنساني، لا تبدو الحاجة إلى استعادة معنى الإنسان أكثر إلحاحاً من اليوم. ففي بلدٍ أثقلت الحرب كاهله، وأجبرت الملايين على مغادرة بيوتهم، يصبح العمل الإنساني أكثر من إغاثة؛ يصبح دفاعاً عن كرامة الإنسان، وعن حقه في أن يجد يداً تمتد إليه عندما تضيق به الحياة.
لكن قبل أن نحتفي بمن يخففون آلام النازحين، علينا أن نتذكر الحقيقة التي صنعت مأساة النزوح من أساسها.
الناس لم يغادروا بيوتهم بحثاً عن حياة أسهل، ولم يتركوا أرضهم طوعاً؛ وإنما خرجوا هرباً من الموت والخوف وانتهاك الكرامة. في مناطق كثيرة وصلت إليها مليشيا الدعم السريع، وجد المدنيون أنفسهم أمام واقع بالغ القسوة، من قتل ونهب وترويع وعنف جنسي وانتهاكات دفعت الأسر إلى الفرار طلباً للنجاة. وقد وثقت الأمم المتحدة وقوع عمليات قتل وتهجير قسري ونهب وعنف جنسي وانتهاكات واسعة بحق المدنيين في مناطق وصول مليشيا الدعم السريع .
ولهذا فإن كل أسرة وصلت إلى الدبة تحمل معها قصة نجاة قبل أن تحمل قصة نزوح.
كل طفل جاء إلى العفاض لم يأت بحثاً عن معسكر؛ جاء بحثاً عن الأمان.
وكل أم تركت بيتها لم تكن تبحث عن خيمة؛ كانت تبحث عن مكان لا تخشى فيه على أبنائها.
وكل رجل قطع مئات الكيلومترات لم يكن يهرب من أرضه؛ كان يهرب من الموت.
ومن هنا تصبح الدبة أكثر من محطة في خريطة النزوح.
تصبح ملاذاً.
مدينة شمالية عرفت الزراعة والتجارة والنخيل والأسواق وروابط المجتمع، ثم وجدت نفسها أمام امتحان لم تختره ولم تستعد له: أن تستقبل آلاف الأسر التي دفعتها الحرب بعيداً عن بيوتها، وأن تحمل مع أهلها أعباء إنسانية تفوق طاقة مدينة واحدة.
لكن الدبة لم تسأل القادمين إليها: من أنتم؟
سألتهم سؤالاً أكثر إنسانية:
ماذا تحتاجون؟
ومن هذا السؤال بدأت الحكاية.
مع اتساع الحرب وتوالي موجات النزوح من دارفور وكردفان ومناطق أخرى، أصبحت محلية الدبة واحدة من مناطق الاستقبال المهمة في الولاية الشمالية، وتحول العفاض إلى أحد أبرز مراكز الإيواء التي ارتبط اسمها بمأساة النزوح وبجهود الاستجابة الإنسانية.
لكن العفاض ليس رقماً في تقرير.
العفاض أم تبحث عن الدواء.
وطفل يبحث عن مدرسة.
وشيخ يحمل ذاكرة قرية تركها خلفه.
وشاب وصل بعد رحلة طويلة ولا يعرف ماذا تخبئ له الأيام.
العفاض هو الوجه الآخر للحرب؛ الوجه الذي لا تظهر فيه البنادق، وإنما تظهر نتائجها على وجوه الناس.
ومع ذلك، فإن أجمل ما في العفاض ليس فقط ما يحكيه عن المأساة، وإنما ما يحكيه عن الإنسان السوداني عندما يكون في أفضل حالاته.
هناك وجد النازحون أهل الدبة والقرى المحيطة بهم.
وجدوا النساء والرجال.
وجدوا الشباب والشابات.
وجدوا القيادات الأهلية والمجتمعية.
وجدوا العاملين في المحلية والمفوضية.
وجدوا الهلال الأحمر.
وجدوا المتطوعين والمتطوعات.
ووجدوا إعلاميين ظلوا يحملون صوتهم إلى خارج المكان.
فأصبح العمل الإنساني في الدبة عملاً جماعياً، لا بطولة فردية.
ومن هنا تأتي الإشارة إلى الأستاذة كوثر جعفر.
ففي اليوم العالمي للعمل الإنساني، حين يكرم مفوض العون الإنساني بالولاية الشمالية الدكتور وائل محمد شريف جهودها وفريقها، فإن التكريم في جوهره يتجاوز اسم كوثر إلى كل أولئك الذين يعملون معها وفي محيطها، ويؤدون رسالتهم في ظروف بالغة الصعوبة.
كوثر واحدة من الوجوه التي حملت مسؤولية العون الإنساني في محلية أصبحت في قلب حركة النزوح، وفي مثل هذا الموقع لا تكفي الوظيفة وحدها.
فالعمل الإنساني يحتاج إلى قلب يسمع قبل أن يتحدث، وعين ترى ما وراء الأرقام، وضمير يعرف أن كل أسرة في كشف الاحتياجات لها حكاية، وأن كل طفل ينتظر شيئاً ليس رقماً في قائمة.
لكن لا يمكن أن نكتب عن كوثر ونترك خلفها الصف الطويل من النساء والرجال الذين شاركوها الطريق.
هناك شيماء عبد الله، وهناك نساء كثيرات ورجال كثيرون، ومتطوعون ومتطوعات، وعاملون في الميدان يصعب أن يحصي المقال أسماءهم جميعاً.
ومن الإنصاف أن نقول لهم جميعاً:
أنتم جزء من الحكاية.
فالذي حمل الماء، والذي وزع الغذاء، والذي تابع مريضاً، والذي ساعد طفلاً، والذي نظم الصفوف، والذي ظل واقفاً في الشمس، والذي عمل في الليل، والذي بذل من ماله أو وقته أو جهده، لم يكن يؤدي مهمة صغيرة.
في زمن الحرب، تصبح التفاصيل الصغيرة عظيمة.
كوب الماء يصبح موقفاً.
والوجبة تصبح كرامة.
والابتسامة تصبح طمأنينة.
والكلمة الطيبة تصبح وطناً مؤقتاً لإنسان فقد وطنه.
وفي الجانب التنفيذي، كان المدير التنفيذي لمحلية الدبة الأستاذ محمد صابر كشكش ونائبه والجهاز التنفيذي أمام مسؤولية استثنائية.
فالمحلية لم تعد تدير شؤون سكانها الأصليين وحدهم؛ أصبحت أمام واقع إنساني متحرك، وأعداد متزايدة، واحتياجات لا تنتظر المواعيد الرسمية.
في مثل هذه الظروف تتحول الإدارة إلى حضور دائم.
قرار في الصباح.
اجتماع في الظهر.
اتصال في المساء.
ومتابعة في الليل.
ومشكلة جديدة قبل أن تنتهي المشكلة القديمة.
إنها إدارة للقلق قبل أن تكون إدارة للملفات.
ولهذا فإن نجاح الاستجابة لا يمكن أن ينسب إلى فرد واحد، بل إلى منظومة كاملة داخل المحلية، من المدير التنفيذي ونائبه إلى العاملين في الوحدات المختلفة، وكل من تحمل مسؤولية في الصحة والخدمات والشؤون الاجتماعية والعون الإنساني.
وفي هذه اللوحة يأتي الهلال الأحمر السوداني، حاضراً برسالته الإنسانية وبمتطوعيه ومتطوعاته.
في العفاض، كما في غيره من مواقع الاستجابة، لم تكن الحاجة إلى الماء والإصحاح والتوعية الصحية والإسعافات الأولية والدعم النفسي والغذاء والمعينات مجرد عناوين؛ كانت حاجات يومية، وكان وراء كل حاجة فريق يعمل لكي تصل إلى مستحقها.
الهلال الأحمر هو في النهاية أناس.
أناس يذهبون إلى حيث توجد الحاجة.
والمتطوع الذي يمد يده إلى أسرة نازحة لا يسألها من أي منطقة جاءت.
هو يرى الإنسان أولاً.
وهذا هو جوهر الرسالة الإنسانية.
لكن الدبة لم تكن مؤسسات فقط.
كانت مجتمعاً.
وهنا تأتي قيمة القيادات الأهلية والمجتمعية، وفي مقدمتهم الزعيم أزهري، وسائر القيادات والفاعلين في المدينة والقرى التابعة للمحلية.
فالمجتمع السوداني، في أوقات المحن، يمتلك أدوات لا توجد في اللوائح.
المجلس الأهلي.
الجيرة.
المبادرة.
المرأة التي تطبخ لجارتها.
الرجل الذي يقدم ما يستطيع.
الشباب الذين يتحركون قبل أن يطلب منهم أحد.
والقرية التي تفتح قلبها لمن جاءها من مكان بعيد.
لهذا لم يكن التعايش في الدبة شعاراً.
كان ممارسة يومية.
فالنازح الذي جاء من الفاشر أصبح جاراً.
والطفل الذي جاء من كردفان وجد أطفالاً يلعبون معه.
والمرأة التي تركت بيتها وجدت امرأة أخرى تقول لها: اعتبري نفسك بين أهلك.
هذه هي الإنسانية عندما تتحول من خطاب إلى سلوك.
وهنا أيضاً يجب أن نتوقف عند إعلام الدبة وإعلامييها.
فالإعلام في الأزمات ليس ترفاً.
والكاميرا ليست مجرد وسيلة لتسجيل الصورة.
والخبر ليس مجرد كلمات تنشر ثم تنتهي.
لقد عمل إعلاميو الدبة بنظام الورديات على مدار الأربع والعشرين ساعة، يتناوبون الليل والنهار، ويتابعون الميدان، وينقلون أخبار النازحين، ويوثقون المبادرات، ويبرزون جهود المحلية والمفوضية والهلال الأحمر والمنظمات والمتطوعين والمجتمع المضيف.
كانوا يعملون عندما ينام كثيرون.
يوثقون عندما ينصرف آخرون.
ويحاولون أن يجعلوا ما يحدث في العفاض والدبة معروفاً لمن هم بعيدون عن المكان.
الإعلام هنا كان جسراً بين الاحتياج والاستجابة.
وربما كانت صورة صادقة سبباً في وصول مساعدة.
وربما كان خبر عن احتياج سبباً في مبادرة.
وربما كانت قصة إنسانية سبباً في أن يشعر النازح بأن صوته وصل إلى العالم.
ولهذا يستحق إعلاميو الدبة جميعاً أن يكونوا جزءاً من هذه الذاكرة.
لا اسم واحد.
ولا شخص واحد.
بل فريق كامل، رجالاً ونساءً، عملوا على مدار الساعة، وشاركوا في توثيق واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المحلية.
ولا ينبغي أن ننسى أيضاً قرى محلية الدبة.
فالدبة ليست المدينة وحدها.
إنها القرى والنخيل والمزارع والبيوت والمجالس والأسر الممتدة.
كل قرية قدمت ما تستطيع هي جزء من الحكاية.
كل امرأة طبخت.
كل رجل ساهم.
كل شاب تطوع.
كل شيخ جمع الناس.
كل تاجر فتح بابه.
كل أسرة شاركت شيئاً من رزقها.
كل هؤلاء كتبوا فصلاً في تاريخ الإنسانية السودانية.
وفي هذا اليوم العالمي، ربما يكون من المهم أن نقول إن أجمل ما فعلته الدبة أنها لم تسمح للنزوح أن يصنع جداراً بين المجتمع المضيف والقادمين إليه.
بل جعلت من الأزمة فرصة لاستعادة معنى قديم في الشخصية السودانية:
أن الجار أخوك، حتى لو جاء من آخر السودان.
لكن الاحتفاء بالعمل الإنساني لا ينبغي أن يجعلنا ننسى السؤال الأصعب:
لماذا احتاجت الدبة إلى كل هذا العمل الإنساني؟
الجواب واضح في وجوه الذين وصلوا إليها.
لقد جاءوا لأنهم أرادوا النجاة.
جاءوا لأن مناطقهم تحولت إلى أماكن يخشى فيها الإنسان على حياته وماله وعرضه.
جاءوا لأن المليشيا حين تسيطر على المدن والقرى لا تترك وراءها دائماً أمناً وسلاماً، بل وثقت الأمم المتحدة وقوع جرائم قتل ونهب وعنف جنسي وتهجير قسري وانتهاكات واسعة بحق المدنيين في مناطق التي دنسته مليشيا الدعم السريع
ولهذا فإن النازح ليس شخصاً اختار أن يكون بعيداً عن أرضه.
إنه ناجٍ وصل إلى مكان أكثر أمناً.
وهذه الحقيقة يجب ألا تضيع وسط اللغة الإنسانية الناعمة.
فالإنسانية لا تعني أن ننسى الجريمة.
بل تعني أن نقف إلى جانب ضحاياها، وأن نحفظ كرامتهم، وأن نطالب بالعدالة لمن قتلوا ونهبوا وانتهكت حقوقهم، وأن نعمل حتى لا تتكرر المأساة.
العمل الإنساني يداوي الجرح، لكن العدالة تبحث عن اليد التي صنعت الجرح.
والإغاثة تحفظ حياة الناجي، لكن الدولة والمجتمع والقانون مطالبون بأن يحفظوا حقه في العودة الآمنة والكرامة والمحاسبة.
ومن هنا فإن الدبة لا تستحق الإشادة لأنها استقبلت النازحين فقط.
تستحقها لأنها استقبلت الناجين.
استقبلت أناساً جاءوا من مناطق أرهقتها الانتهاكات، ثم منحتهم فرصة لالتقاط أنفاسهم.
ولذلك فإن أجمل ما في هذه المدينة أنها لم تسمح للحرب أن تجعلها نسخة من المناطق التي هرب منها الناس.
اختارت أن تكون نقيضاً للخوف.
نقيضاً للنهب.
نقيضاً للعنف.
اختارت أن تكون مكاناً يستطيع فيه الإنسان أن ينام دون أن يخشى على حياته.
وهذه هي الإنسانية في أرفع صورها.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، لا أظن أن هناك مكاناً أكثر قدرة على تقديم درس سوداني في الإنسانية من الدبة.
فهنا لم يكن العمل الإنساني مؤسسة واحدة.
كان مدينة.
وكان قرية.
وكان امرأة.
وكان رجلاً.
وكان شاباً.
وكان متطوعاً.
وكان إعلامياً.
وكان موظفاً.
وكان قيادياً.
وكان الهلال الأحمر.
وكانت المفوضية.
وكانت المحلية.
وكانت كوثر.
وكانت شيماء.
وكان المدير التنفيذي ونائبه.
وكان الزعيم أزهري.
وكانت كل تلك الأسماء التي نعرفها، وكل الأسماء التي لم نعرفها.
كان السودان نفسه، في واحدة من أجمل صوره، حاضراً في الدبة.
وربما لهذا ستبقى الدبة في ذاكرة الذين مروا بها أثناء الحرب.
لن يتذكروا فقط الطريق.
سيتذكرون الوجوه.
سيتذكرون من سألهم عن احتياجاتهم.
من حمل لهم الماء.
من أطعم أطفالهم.
من وقف إلى جانبهم.
من نقل قصتهم.
من فتح لهم باباً.
ومن قال لهم، دون كثير من الكلام:
أنتم بين أهلكم.
وإذا كان لليوم العالمي للعمل الإنساني معنى يتجاوز الشعارات، فإن معناه هنا واضح:
أن نحفظ كرامة الإنسان حين تنكسر الأشياء من حوله.
أن نقف مع الضعيف حين لا يملك إلا صوته.
أن نحفظ للنازح حقه في أن يكون إنساناً قبل أن يكون رقماً.
وأن نعرف أن أجمل ما يمكن أن تفعله مدينة في زمن الحرب ليس أن تكون الأقوى، وإنما أن تكون الأرحم.
وهذا ما فعلته الدبة.
لم توقف الحرب.
لكنها أوقفت شيئاً من قسوتها عند أبوابها.
لم تستطع أن تعيد البيوت التي فقدها الناس.
لكنها منحتهم مكاناً يستريحون فيه.
لم تمحُ الذاكرة المؤلمة.
لكنها أضافت إليها ذكرى أخرى.
ذكرى مدينة شمالية قالت لأبناء السودان، في واحدة من أصعب لحظاته:
إن ضاقت بكم البلاد، فإن قلوبنا تتسع لكم.
تلك هي الدبة.
وحيث كان للإنسانية وجهٌ سوداني، كان للدبة وجهها.